×

وكذلك فَهُو إيذَاء لِلْمَسَاجِد الأُْخْرَى الَّتِي بِجِوَارِه، فَالصَّوْت فِيْه تَشْوِيش عَلَيْهِم، وَقَد حَدَّثَنِي كَثِير مَن النَّاس الَّذِين كانوا بِجِوَار الْمَسَاجِد الَّتِي تَرْفَع الصَّلاَة مَن عَلَى الْمَنَابِر أَنَّه إِذَا كَان صَوْت الإمام فِي الْمَسْجِد الَّذِي نُقِلَت صَلاَتِه عَبَّر مكبرات الصَّوْت أَحْسَن مَن صَوْت إمَامِهِم، وَقِرَاءَتُه أَحْسَن مَن قِرَاءَة إمَامِهِم، فَإِنَّهُم يُتَابِعُون ذَلِك الإمام الَّذِي خَارِج مَسْجِدَهُم، وَيَدْعُون إمَامِهِم، ولا ينصتون لِقِرَاءَتِه.

وحدَّثني أيضًا بَعْض النَّاس أَنَّهُم يُكَبِّرُون بِتَكْبِير إمَام الْمَسْجِد الْمُجَاوِر ظنًا مِنْهُم أن هَذَا التَّكْبِير تَكْبِير إمَامِهِم، وهذا أَمْر مَعْلُوم عِنْد كَثِير مَن النَّاس، وَهْو أَمْر لا يَنْضَبِط، بِمَعْنَى أَنَّه قَد يَقُوْل قَائِل: إن صَوْتِي لا يَبْلُغ الْمَسْجِد الْمُجَاوِر، ولا يُشَوِّش عَلَى أَهْلِه، فَنَقُول: هَذَا أَمْر لا يَنْضَبِط؛ لأَنّ هَذَا يَتْبَع اتِّجَاه الرِّيَاح، فَإِذَا كَانَت الرِّيَاح مُتَّجِهَة إِلَى الْمَسَاجِد الْمُجَاوَرَة سَمِع الصَّوْت، وَإِذَا كَان متجهًا إِلَى خِلاَفِهَا لَم يَسْمَع الصَّوْت وَرُبَّمَا يَكُون الصَّوْت قويًّا جدًّا بِحَيْث يَسْمَع مَن حَوْلَه عَلَى أَي حَال كَان اتِّجَاه الرِّيَاح.

وَقَد ثَبَت عَن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم فِي حَدِيثَيْن صححَّهُما ابنُ عَبْد الْبَرّ أَنَّه سَمِع الصَّحَابَة -رِضْوَان الله عَلَيْهِم- يَقْرَءُون وَيَجْهَرُون فَنَهَاهُم عَن ذَلِك وَقَال: «وَلاَ يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ - أَوْ قَالَ فِي الصَّلاَةِ» ([1]) وفي لَفْظ آخَر: «فَلاَ يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا» ([2]).

وَذِكْر شَيْخ الإسلام رحمه الله أنَّه لَيْس للإنسانِ أن يجهَرَ جهرًا يُشوش عَلَى الْمُصَلِّين، وَإِنّ نَصِيحَتِي لِإِخْوَانِي الْمُسْلِمِين أن يَدَّعُوا هَذَا الْعَمَل


([1])  أخرجه: أحمد (2/ 36).

([2])  أخرجه: أبو داود رقم (1332)، أحمد (3/ 94).